حسن ابراهيم حسن
376
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وطبرستان ، ثم عاد إلى نيسابور وأقام بها ، وتوثقت الصلة بينه وبين الصاحب ابن عباد في أصبهان « 1 » . ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد وهو بأرجان ؛ فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه : قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن في الدخول . فدخل الحاجب وأعلمه ، فقال الصاحب : قل له ، قد ألرمت نفسي أن لا يدخل على أحد من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب ، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك ، فقال له أبو بكر : إرجع إليه وقل له : هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء ؟ فدخل الحاجب فأعاد عليه ما قال ، فقال الصاحب : هذا يكون أبا بكر الخوارزمي . فأذن له في الدخول فدخل عليه ، فعرفه وانبسط له « 2 » . حاز الخوارزمي شهرة واسعة في ميدان الأدب ، فقصده الطلاب من كل حدب وصوب . فمن رسائله في الفقر : وإنما يكره الفقر لما فيه من الهوان ، ويستحب الغنى لما فيه من الصوان « 3 » . فإذا نبغ الغم من رتبة الغنى ، فالغنى هو الفقر ، واليسر هو العسر ، لا بل الفقير على هذه القضية أحسن من الغنى وأقل منه أشغالا ، لأن الفقير خفيف الظهر من كل حق ، منفك الرقبة من كل رق . فلا يستبطئه إخوانه ولا يطمع فيه جيرانه ، ولا تنتظر في الفطر صدقته ، ولا في النحر أضحيته ، ولا في شهر رمضان مائدته ، ولا في الربيع باكورته « 4 » . ولا في الخريف فاكهته ، ولا في وقت الغلة شعيره وبره ، ولا في وقت الجباية خراجه وعشره . وإنما هو مسجد يحمل إله ولا يحمل عنه « 5 » ، وعلوي يؤخذ عليه « 6 » ، تتجنبه الشرط نهارا ويتوقاه العسس ليلا ، فهو إما غانم وإما سالم . وأما الغنى فإنما هو كالغنم غنيمة لكل يد سالبة ، وصيد لكل
--> ( 1 ) يتيمة الدهر ج 4 ص 192 - 194 ، 523 . ( 2 ) أي سر به ورفع الكلفة بينه وبينه . ابن خلكان ج 1 ص 523 . ( 3 ) أي صون الكرامة والنفس . ( 4 ) باكورة لشئ أول ما يظهر منه . ( 5 ) أي أن الفقير يشبه المسجد في أنه يوهب له ولا يستوهب منه . ( 6 ) لا يؤخذ عليه أي لا يفتقد عليه شئ ، وفي الأصل « عنه » ولعله تحريف .